الشعر العربي المعاصر في السودان

خالد حسين أحمد عثمان

تمهيد

      يتميز الشعر السوداني بأنه يعبر عن مجمل ماترسب في وجدان أنماطٍ متباينة من الشعــوب والقبــائــل, قطنت في حقب مختلفة هذه الرقعة الجغرافية التي تعرف ابتداء من عام 1821 باسم السودان. ولقد كانت هذه الأرض مستودعاً لمكونات متعددة ومتمايزة تمازجت بصور شتى أثناء مسيرتها الحضارية كما كانت مسرحاً للقاء الحضارات الزنجية بالحضارات النوبية, وبحضارات البحر الأبيض المتوسط وبحضارات الشرقين, الأوسط والأدنى, وعلى وجه الخصوص بالحضارة العربية والحضارة العربية الإسلامية.

      والشعر السوداني كمرآة لحياة قاطني هذه البلاد فإنه يصور التفاعلات الحضارية والثقافية لتلك اللقاءات التي كان بعضها انسيابياً عفوياً وكان بعضها دامياً عنيفاً. وهذه اللقاءات التي يسميها الدكتور علي عثمان محمد صالح (العملية الحضارية)(1) هي بالضرورة عملية مستمرة ومتحركة وينتج عنها ظهور عناصر حضارية جديدة وفريدة, هي في الأساس تركيبة ثقافية من مختلف العناصر التي شاركت في هذه العملية الحضارية. ولذلك جاء شعر هذه البلاد (شعراً سودانياً). يتعرض لهذا الأستاذ عبدالهادي الصديق بقوله: (يقولون لماذا الشعر السوداني? أليس هو شعراً عربياً صحيحاً وواضحاً? ونقدم لذلك أن كثيراً من الأقلام ومنذ زمان موغل في القدم حاول التمسك بطابع عام وشخصية متفردة للشعر السوداني)(2). وقد صدق عبدالهادي, فقد تناول هذا الأمر كثير من الدارسين والباحثين والنقاد. ولعل ما أورده عبدالهادي من استشهادات بالأساتذة إحسان عباس, ومحمد عبدالرحيم, وحمزة الملك طمبل, لدعم ماذهب إليه من (تفرد) الشعر السوداني يصير من فضول القول , فتلك حقيقة لا تحتاج إلى تأكيد بل تؤكد, حقيقة أن في السودان أشعاراً ما تزال تقال وتنشد بلغات ولهجات غير اللغة العربية. ولكنا معنيون بالشعر العربي السوداني. والشعر العربي السوداني ـ بل والثقافة العربية السودانية في مجملها , واللغة العربية كوعاء لها - لا شك اختزنت قدراً غير يسير من الثقافات واللغات التي صادفت واحتكت بها في رحلة صيرورتها مداً وانحساراً, حتى تمت لها الريادة والسيادة على الثقافات واللغات الأخرى.

      هذه المخزونات الثقافية واللغوية كان لها بالضرورة انعكاساتها على الشعر العربي السوداني بأشكاله المختلفة, ما قيل باللغة الدارجة أو العامية وما كتب بالفصحى في مراحل نموها وتطورها المختلفة ولقد توفر عدد من الأساتذة الأجلاء لدراسة الشعر السوداني فتناولوه من زوايا مختلفة , ولعل هنالك ما يشبه الإجماع بين أبرز هؤلاء الباحثين وبينهم محمد عوض, وعبدالمجيد عابدين, ومحمد إبراهيم الشوش, ومحمد المكي إبراهيم, وعبدالهادي الصديق , على السمات الأساسية للشعر السوداني وعلى المحطات الأساسية في رحلته الطويلة. وقد لخصها الدكتور محمد إبراهيم الشوش في أربع فترات, هي فترة الشعر الصوفي, وفترة الشعر التقليدي, وفترة التجديد في الثلاثينات, ثم الفترة الرابعة والتي تبدأ بعد الحرب العالمية الثانية.

      ولإعطاء صورة معقولة لخريطة الشعر السوداني ورحلته منذ بداياته الأولى وحتى عصرنا هذا, في هذه الدراسة الموجزة. فإنني سوف أقوم بتناول الشعر السوداني وفقاً لتسلسل حقب التاريخ التي أصبح متعارفاً عليها كمحطات متميزة في مسيرة التطور السياسي والاجتماعي, وبالتالي في المحصول الثقافي والفكري, والتي تجيء حسب ترتيبها الزمني كما يلي:

      (1) ـ تعاظم الأثر العربي وعهد الفونج.

      (2) ـ العهد التركي.

      (3) ـ المهدية.

      (4) ـ الاستعمار الثنائي.

      (5) ـ مرحلة ما بعد الاستقلال.

تعــاظــم الأثــر العــربـــي وعـهــد الفــونـــج:

      يعتقد البعض أن علاقة السودان بالثقافة العربية ابتدأت حين بدأ المدّ الإسلامي يتجه جنوباً عام 641م وهذا اعتقاد يدحضه كل من ماكمايكل, ومحمد عوض, وعبدالمجيد عابدين, يقول ماكمايكل: (ومما هو موضع دهشة وغرابة أن يزعم أن الرابطة بين ساحلي البحر الأحمر منذ أقدم العصور كانت ضعيفة واهية, وهذا مما لا يكاد يصدقه أحد ولا سيما إذا عرفنا أن الممر بين الساحلين سهل ميسور ولا شك أن التجارة منذ أقدم العصور كانت معروفة متداولة بين بلاد العرب وموانئ مصر والسودان والحبشة) ويواصل ماكمايكل تأكيد قدم فكرة العروبة في السودان قائلاً (وتزعم رواية عربية أن أحد ملوك حمير, وهو أبو مالك, قام بحملة على بلاد البجة رغبة في الحصول على بعض المعادن الكريمة ـ ولكن جيشه هلك. وربما وقعت حوادث هذه الرواية خلال العقود الأولى بعد ميلاد المسيح (3).

      يؤكد الفكرة كذلك كروفورد(4) ومحمد عوض(5) في حديثهما عن بلاد وممالك في الساحل الأفريقي للبحر الأحمر, مثل نجران وبلو والبلو والبلوليني في بعض الروايات هي قبيلة بني بلا التي وفدت على السودان قبل الإسلام

      وهذا رأي يؤيده في تقديري وجود لهجات عربية مختلفة عن اللغة العربية الفصحى لغة قريش التي لم تنتشر بين عرب الجزيرة قبيل الإسلام.

      اللغة العربية إذن وفدت إلى السودان قبل الإسلام وتعايشت لفترة طويلة مع اللغة النوبية ومع اللغات الحامية الأخرى, (كالتبداوية) وقد قامت اللغة العربية بالتأثير في اللغة النوبية واللغة التبداوية وغيرها من اللغات ولكنها في ذات الوقت تأثرت بهما. يشير إلى ذلك الأستاذ عبدالمجيد عابدين قائلاً: وحينما تدفقت أفواج القبائل العربية على السودان الشمالي وجدوا اللغة النوبية هي اللغة السائدة بين السكان الأصليين , فوقع حينئذ النزاع بين العربية والنوبية, وكان نتيجة هذا الصراع أن احتلت العربية بعض مناطق النوبة. في حين ظلت مناطق أخرى يسكنها (الكنوز) و(المحس) و (الدناقلة) و (السكوت) محتفظة بالنوبية إلى جانب العربية فأصبح لكل منهم لغتان: النوبية, يتكلمها مع بني جلدته, والعربية يستخدمها مع سائر الناطقين بالعربية(6).

      ينطبق هذا على التبداوية وغيرها من اللغات واللهجات الحامية والزنجية الأخرى. ومن خلال هذا التلاحم ظهر إلى الوجود كما يقول الأستاذ محمد المكي إبراهيم (مخلوق جديد هو السوداني الحديث الذي لا يشكل دماً عربياً, خالصاً, أو دماً زنجياً ولكنه بالتأكيد يجمع في أنسجته بين ذينيك النوعين من الدماء ويحمل في دماغه نتاج الثقافة الأقوى والأكمل(7).

      هذه الثقافة الأقوى والأكمل جاء التعبير عنها باللغة العربية وظهرت بواكير الشعر السوداني العربي, أو ربما بدأ تدوينه في عهد الفونج (1505 - 1821) حين استقرت السلطة السياسية في البلاد في أيدي العناصر العربية والمستعربة, وقد ارتبط الشعر السوداني في تلك المرحلة الباكرة ارتباطاً وثيقاً, امتد أثره حتى عصرنا هذا بالصوفية, وفي ذلك يقول الأستاذ إحسان عباس: (فقد كان الشعر في بواكيره وليد بيئة صوفية متدينة) وقد جاءت نماذج هذا الشعر الصوفي الباكر في ما يرى الباحثون والنقاد (ركيكة), بل ويذهب البعض إلى محاولة إيجاد المبررات لتلك الركاكة فيقول الأستاذ عبدالهادي الصديق: (والتفاصيل الأولية لنشر الثقافة العربية والإسلامية في السودان تشير إلى أن حملة الدعوة في مراحلها الأولى كانوا من البدو والتجار الذين تنقصهم الثقافة الدينية العميقة بالإسلام)(8).ويقول محمد المكي إبراهيم: (أما العربية التي جاءوا بها فقد كانت لغة غير صافية ومليئة بالتعقيدات والتحريفات التي أدخلتها عليها عصور الانحطاط)(9) ولعل في ذلك ظلماً للغة تلك الفترة وشعرها عظيما, وذلك للنظر إليها بمعايير اللغة العربية الفصحى لغة قريش في تجاوز تام للشعر الشعبي العربي السوداني الذي قيل بلهجات عربية جاء بها العرب قبل الإسلام ولم تكن هي اللغة العربية الفصيحة المعروفة لنا الآن. يقول عبده بدوي: (فالحضارمة حملوا معهم لغتهم, وكذلك حمير والأنباط, ومن هنا لم تتكون لهم لغة موحدة إلا بعد وصول الإسلام)(10). هذا من ناحية, أما من الناحية الأخرى فقد كانت هنالك لغة دارجة سودانية تكونت من تمازج هذه اللهجات العربية المختلفة واللهجات الحامية والزنجية كما أسلفنا.

      ولقد كان استخدام اللغة العربية الفصحى مقصوراً على قلة من العلماء والفقهاء, وقد ظلت حتى ذلك الوقت - بالرغم مما كانت تتمتع به من احترام وتقدير باعتبارها لغة القرآن - بعيدة عن حياة الناس, وكان إلمامهم بها طفيفاً, وقد جاء الشعر الذي نظم بها ضعيفاً من حيث الأسلوب والموسيقى اللفظية وفي ذلك يقول عبدالمجيد عابدين: (فاذا انتقلنا إلى الأسلوب وجدنا مع الأسف اضطرابا كثيراً في الوزن وتأليف الكلام. ويبدو هذا بصورة أوضح في عصر الفونج. فقلما تجد في كتاب الطبقات مثلاً قصيدة أو مقطوعة يستقيم فيها الوزن من أولها إلى آخرها ولا أظن ذلك راجعاً إلى أخطاء الطبع والنشر بل هو في الغالب مرده إلى قائلي هذا الشعر أنفسهم, فالشاعر أحياناً يخلط بين الأوزان المختلفة كالبسيط والكامل. ويكثر كسر الأبيات في دواوين الشعر الصوفي إلى درجة ملحوظة ويتأثر الشعر باللغة الدارجة تأثيراً واضحاً)(11), ويمثل الأستاذ عبدالمجيد بقصيدة لشاعر من أشهر شعراء الفونج هو الشاعر عبدالنور بن أبيض, والذي كثيراً ما وردت الإشارة إليه بعبدالنور الشاعر مما يدل كما يقول محمد المكي (على اتساع شهرته كشاعر)(12) .والقصيدة قالها عبدالنور في رثاء الشيخ أبو إدريس العركي ومديح ابنه دفع الله الذي خلفه في مشيخة الطريقة:

صوفي الصفات فذاك شيخي _________________________

أبو إدريس الورع الوجول _________________________

لأخراه سريعاً مستعداً _________________________

وعن أعمال دنياه عطول _________________________

لا يشتاق للذات فيها _________________________

من مأكول ومشروب العسول _________________________

لمرضاة ربه سهر الليالي _________________________

أحب الجوع واكتسب النحول _________________________

سوى القرآن سراً والصلاة _________________________

وسنة أحمد الهادي الرسول _________________________

وقد تخلّف بعده الحبر المسمى _________________________

بدفع الله من أسد شبول _________________________

ولا يلد الأسد إلا مثيله _________________________

ولا يلد البقر إلا العجول _________________________

ولا يلد النخل إلا لقاحاً _________________________

ولا يلد النحل إلا العسول _________________________

وأولاده كلهم صالحون _________________________

بيض الوجوه أهل الفضول _________________________

      ولا أعتقد أن أحداً يختلف مع الأستاذ عبدالمجيد عابدين فيما ذهب إليه حوله ضعف القصيدة لغة وأسلوباً, ولكنا نلاحظ أنها تتطلع نحو الفصحى ونحو القصيدة العربية الفصيحة في البناء والتناول, بل وتجد فيها بعض الألفاظ والصور والاستعارات المأخوذة من الشعر العربي الفصيح, ومن الأمثال انظر (من أسد شبول) (صوفي الصفات) (بيض الوجوه) أهل (الفضول) أفلا يذكر الإنسان هنا قول حسان:

بيض الوجوه كريمة أنسابهم _________________________

شم الأنوف من الطراز الأول _________________________

      على أننا نرى مقطوعات الشيخ فرح ود تكتوك الفصيحة تقترب بصورة لا بأس بها من الشعر العربي الفصيح في البناء والاستقامة وفي اللغة على بساطتها مع الاحتفاظ إلى حد بعيد بأوزان الشعر العربي الفصيح, استمع إليه يقدم الأخرى على الدنيا:

من باع ديناً بدنيا واستعز بها _________________________

كأنما باع فردوساً بسجين _________________________

فلقمة من طعام البر تشبعني _________________________

وجرعة من قليل الماء ترويني _________________________

      يحذر من الطمع والجري وراء الدنيا:

وكم جرى طامع في البيد مقترباً _________________________

ولم يجد قَصْدَهُ في الشام والصين _________________________

كم دودة في عميق الأرض في جحر _________________________

يأتي لها رزقها في الوقت والحين _________________________

      وينفِّر الناس من الوقوف بأبواب السلاطين:

يا واقفاً عند أبواب السلاطين _________________________

إرفق بنفسك من هم وتحزين _________________________

إن كنت تطلب عزاً لا فناء له _________________________

فلا تقف عند أبواب السلاطين _________________________

      نلمح في أواخر عهد الفونج اقتراباً من اللغة العربية الصحيحة وذلك بعد أن تواترت الزيارات والرحلات من وإلى سنار, وبعد أن تواترت الصلات بين علماء الفونج وعلماء البلدان العربية الإسلامية الأخرى ولا سيما مصر نجد عندئذ , كما يقول محمد المكي إبراهيم, (لدى الشعراء عناية أوفى بلغتهم وأوزانهم وأعاريضهم وتفهماً واعياً ـ وإن لم يكن كاملاً ـ لحقيقة الفرق بين اللغة الفصحى واللهجات المحلية , فنراهم يتعاملون مع الفصحى كلغة مناسبات وطقوس ومراسيم ولا يلجؤون إليها إلا في مواقف بذاتها. ومع أن شعرهم صــار فصيحاً واستقــام إلا أنـــه بقـــي تقليدياً ومهزوزاً وأغــراضه تكــاد تنحصر فــي الرثــاء)(13) ويمثل محمد المكي لذلك بقصيدة لشاعر مجهول أوردها أحمد كاتب الشونة ويعتبرها (أسنى قمة لغوية استطاع ذلك العهد أن يصلها):

أرى لدهري إقبالاً وإدبارا _________________________

فكل حين يرى للمرء أخبارا _________________________

يوماً يريه من الأفراح أكملها _________________________

يوماً يريه من الأحزان أكدارا _________________________

وكل شيء إذا ما تم غايته _________________________

أبصرت نقصاً به في الحال اجهارا _________________________

آه على زمن قد كان في طرب _________________________

كنا بجمع من الأحباب سمّارا _________________________

آه عليها وآه من مصيبتها _________________________

لم نسلها أينما حللنا أقطارا _________________________

فأوحشت بعد ذاك الأنس وارتحلت _________________________

عنها الأماثل بدواناً وحضّارا _________________________

      كان هذا هو ما بلغته حالة اللغة العربية من تطور انعكس في الشعر السوداني الفصيح منه والعامي الدارج. بل وانعكس في التقارب الذي حصل بين اللغة العامية واللغة الفصيحة اقتراباً نحو الفصيحة وليس العكس. ولعل من أسباب ذلك ـ بالإضافة إلى ما ذكرنا ـ أن دراسة اللغة العربية الفصحى بدأت تجد اهتماماً متزايداً, وقد عرفت صلات أدبية بين ملوك الفونج وبين علماء مصر والذين كانوا يشجعون العلماء والمشائخ ويجلّونهم وقد اشتهر هذا النوع من الصلات على عهد الملك (بادي), وقد مدحه كثير من الشعراء نذكر منهم على سبيل المثال الشيخ عمر المغربي الذي مدح السلطان بادي الثاني بقصيدة طويلة يقول فيها:

أيا راكبًا يسري على متن ضامرٍ _________________________

إلى صاحب العلياء والجود والبرِّ _________________________

ويطوي إليه شقة البعد والنوى _________________________

ويقتحم الأوعار في المهمه القفر _________________________

وينهض من مصر وشاطئ نيلها _________________________

وأزهرها المعمور بالعلم والذكر _________________________

      كان هذا هو الحال حين توجهت جحافل الغزاة جنوباً من مصر للاستيلاء على منابع النيل ولتأمين موارد لتجارة سلع كانت آنذاك رائجة, كالرقيق وسن الفيل وريش النعام, ورغم أن الدويلات التي كانت تعمر الأرض السودانية بما فيها مملكة الفونج تداعت أمامها بسرعة فائقة , فإن القبائل السودانية ولا سيما قبيلة الشايقية , خلفت مآثر وبطولات عظيمة خلدت في الشعر والقصص الشعبي الذي صوّر تلك المقاومة الباسلة التي كانت تواجه بالسيوف والرماح سلاحاً نارياً قلب مقاييس الشجاعة والبطولة رأساً على عقب.