الشعر العربي المعاصر في المغرب*

الدكتور أحمد الطريسي أعراب

      لم يكتسب الشعر المغربي مفهومه الفني, إلا في وقت متأخر من القرن العشرين, إذ بدأت بذور هذا المفهوم الفني منذ أواخر الستينيات, ثم أخذ طريقه في التعمق والتجذر شيئاً فشيئاً إلى أن استقام عوده في الحركات الشعرية, في الثمانينيات من هذا القرن أما قبل هذا التاريخ, فإن الشعر كانت لها مفهومات أخرى, تبتعد أو تقترب من أسس وعناصر الفن, حسب الأحوال الاجتماعية والثقافية والأدبية, التي كانت تتغير باستمرار في تاريخ المغرب.

      إننا سنميز - في هذا البحث - بين خمس مراحل أساسية, اكتسب فيها مفهوم الشعر عدة صور وأشكال, في تاريخ حركة الشعر المغربي الحديث وهي:

      1 - مرحلة أواخر القرن التاسع عشر.

      2 - مرحلة أوائل القرن العشرين.

      3 - مرحلة الثلاثينيات وبداية النهضة الأدبية.

      4 - مرحلة الأربعينيات التي امتد إشعاعها إلى بداية الستينيات.

      5 - مرحلة القصيدة المعاصرة في الستينيات إلى الآن.

      فكل مرحلة من هذه المراحل, كان الشعر يكتسب فيها مفهوماً خاصاً, راح يتطور حسب تطور وعي الإنسان المغربي بفضل التقدم الفكري والثقافي والأدبي, فالمغرب منذ أوائل القرن العشرين ـ عرف عدة هزات, جعلته يغير من أسلوب حياته, ونمط تفكيره, ونظره إلى الحياة, وكان فرض نظام الحماية من أعنف تلك الهزات ولذلك فكر المغاربة في الأخذ بأسباب التقدم, وسلكوا عدة طرق, من أهمها التفتح على الثقافات المختلفة والاطلاع على أحدث ما أنتجته الحضارة الحديثة في المجالات العلمية والفكرية والأدبية وغيرها.

      وفي هذا البحث سنقف على مجال الشعر باعتباره نشاطاً إبداعياً يكشف عن كثير من جوانب الشخصية المغربية في فترة تمتد في الزمان, من أواخر القرن التاسع عشر إلى أواخر القرن العشرين.

1 - كيف كان مفهوم الشعر في الربع الأخير من القرن التاسع عشر?

      إنني أقول منذ البداية: إن مفهوم الشعر لم يكن يرتبط بأي عنصر من عناصر الفن, عند شعراء هذه الفترة. فالشعر في نظر الشعراء والمشتغلين به, لم يكن له موضوعه المستقل, بل كان موضوعه مرتبطاً في نظرهم بموضوعات العلوم والمعارف الأخرى, فهو جزء لا يتجزأ من موضوعات هذه العلوم والمعارف, إنه مجرد أداة للعلوم الفقهية واللغوية, ووسيلة لحفظ الشواهد في معرض علم النحو والبلاغة, ورواية المثل السائر, ثم إنه مجرد مطية يركبها الناس للوصول إلى تولية بعض المناصب القضائية والإدارية.

      إن هذه الفترة التاريخية, عرفت (شعراء) كثيرين وأغلبهم تركوا لنا دواوين شعرية ضخمة تناولت مختلف الأغراض المألوفة,. غير أن هذه الكثرة من الشعراء والدواوين الشعرية, لا تكشف عن تصور مقبول وواضح نحو عملية الإبداع الشعري, ومفهوم مضبوط ومحدد نحو طبيعة العمل الشعري ووظيفته وهدفه, فمن خلال ما ترك هؤلاء الشعراء من شعر, وما تركه بعض المشتغلين به من آراء, يتبين للقارئ, غياب مفهوم الشعر بمعناه الفني.

      لم يكن مفهوم الشعر يخرج عن كونه نوعاً من الثقافة التي تتم أو تكمل شخصية الفقيه العلمية, أو شخصيات القاضي والكاتب والموظف السامي في إدارات الدولة بمعنى أن الشعر هو مجرد آلة في خدمة علوم وثقافات خارجة عن نطاق الفن, وبعبارة أكثر وضوحاً: إن الوزير أو القاضي أو الكاتب الإداري في حاجة إلى الممارسة الشعرية لاكتساب المهارة ليتصرف بطلاقة في أساليب اللغة العربية, هكذا يتحول الشعر إلى معرض لاختبار القدرة النظمية لدى الإنسان, وليس القصد هو الإبداع تعبيراً عن مشاعر النفس وأحلام الروح.

      إن الأسباب التي كانت وراء هذا المفهوم القاصر, كامنة في بنية المجتمع المغربي من الوجهات الثقافية والفكرية والحضارية العامة, ففي الوقت الذي يتفشى فيه الجهل, وتتحجر آفاق العلم يصبح التقليد وبالاً على أصحابه, والمحافظة مرضاً يفتك بالعقول والنفوس.

      كان شعر المناسبات هو السائد والطاغي, في هذه الفترة, والمناسبة قد تكون دينية تفرز شعر المديح النبوي, وقد تكون رسمية في مدح الملوك والأمراء والوزراء, والشعر في المناسبتين معاً, يغلب عليه طابع التقليد الأعمى. ومعنى هذا أن الصبغة الانفعالية, التي تعكس معاناة الذات الشاعرة وعذاباتها منعدمة في هذا الإنتاج, ولذلك كانت تتكرر المعاني, والصور من قصيدة إلى أخرى. بل كانت تتكرر حتى الكلمات والعبارات بعينها, مما يؤكد أن الناس لم يكونوا يشعرون, وإنما كانوا ينظمون ويفتعلون التجارب, فالشعر رحلة غامضة في الذات الإنسانية, هو معاناة النفس ورؤيا تكشف عن الإدراك الشاعري نحو الظواهر والأشياء في الوجود, ولم يكن لهذا المفهوم وجود في المغرب في هذه الفترة, لانعدام الشروط الموضوعية في نفوس الشعراء.

      كان المجتمع المغربي - في هذه الفترة - يعيش أزمة حقيقية على كافة المستويات. يقول الأستاذ عبدالله كنون واصفاً حالة المغرب في ذلك الوقت: (إن حالة المغرب العامة, أثناء النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي وأوائل القرن العشرين, لم تكن لتخلق جواً أدبياً, يختلف عما عهده الناس ولا لتحدث تحولاً فكرياً في غير الجري المألوف... ومن ثم فإن الحياة الفكرية والأدبية بقيت على حالها, من تمثل الماضي في المادة والقالب وفي المعنى والأسلوب)(1) ويقول الجابري وهو يصف حالة المعاهد والمدارس التعليمية في نفس الفترة:(2) (إن جامعة القرويين, والمدارس التابعة لها - خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين, والتي كانت مثالاً لأقصى ما يمكن أن تصل إليه مؤسسة علمية من الانحطاط والتخلف, إذ لم يكن عدد المنتسبين إليها في عهد الملك الحسن الأول, يتجاوز ألف طالب, وهو عدد سينخفض إلى النصف خلال العقد الأول من القرن العشرين).

      إن أفق الثقافة بمعناها العام والخاص, كان في أزمة وزادت التحديات التي كان يواجهها المغرب على تضييق هذا الأفق. ففي خضم الأحداث السياسية والاجتماعية التي كان يعيشها المغرب, لم تكن المعطيات تسمح بالتفتح والإطلال على الثقافات السائدة يومئذٍ في الشرق العربي.

      إن الإبداع في مجالات العلوم المختلفة, لا يكون إلا مع مستوى حضاري معين عند الأمم, هذا المستوى الذي تكون فيه جميع قدرات المجتمع مسخرة للبحث عن الجديد, وعن العناصر البنائية, التي تختزل المسافات, وتسمح للإنسان بأن يبني بطر يقة أحسن وأرقى, ومثل هذه الشروط جميعها كانت منعدمة في المجتمع المغربي, خلال القرن التاسع عشر, ولذلك فإننا إذا وجدنا هذه المفاهيم المهترئة, حول الشعر, وعملية الخلق الشعري, فينبغي ألاَّ تصدمنا, أو تجعلنا مندهشين. إننا لا ننكر على شعراء هذه الفترة, قراءاتهم المختلفة للموروث الشعري, فقد تأكدت لدينا هذه القراءات من خلال أشعارهم, وأيضاً من خلال بعض كتب التراجم, غير أن هذه القراءات لم تثمر, فهي لم تؤد إلى إضافة الجديد, بل إننا نقف على عبارات تؤكد شك الناس في المعرفة الشعرية. يقول علي مصباح في معرض حديثه عن المكانة التي يحتلها علم الأدب إزاء علم الفقه(3): (... وأما مكانة علم الأدب من العلوم, فحسبه أن الفقه أشرف العلوم وأولاها بالنقد في الفضل والشرف.. فمعظم علوم الأدب آلة للفقه!).

      إن مثل هذا الشاهد يفصح بوضوح عن دونية المعرفة الأدبية من جهة, كما يفصح عن نظرة الاستخفاف والشك في هذه المعرفة من جهة أخرى, وفي هذا المعنى يقول أحدهم في بيت شعري(4):

وما الشعر إلا مثل ملح قليله _________________________

صلاح, وإن يكثر أَثار الدواهيا! _________________________

      إن مثل هذه المعاني التي تنتقص من قيمة الأدب والشعر, انتقلت بكامل ثقلها إلى الفترات اللاحقة, وخاصة تلك التي تمتد من بداية القرن العشرين إلى حدود العشرينيات منه, وذلك من غير أن ننكر بعض الأثر الذي أحدثته الحركة السلفية في الأدب والشعر.

2 - مرحلة أوائل القرن العشرين:

      استطاعت الحركة السلفية, أن تحدث هزة وخلخلة في مفهوم الشعر, ولكن هذه الهزة أو الخلخلة التي كانت لصالح الحركة نفسها وليس للفن, فقد احتوت الحركة الشعر ليكون لصالحها في الدعوة إلى نشر أفكارها, وخاصة بعد فرض نظام الحماية سنة 1912م. فمن المعلوم أن هذه الحركة, بدأت في المغرب, في الوقت الذي عاد فيه المصلح المغربي عبدالله السنوسي(5), من المشرق العربي, وأخذ يلقي دروسه العلمية على أسماع الناس في المساجد, وهي في موضوعات تتعلق بتحرير العقيدة من الدجل والخرافة والشعوذة وفي أيام السلطان المولى عبدالحفيظ, امتد تأثير هذه الحركة, وظهر كثير من العلماء الذين تشبعوا بالأفكار الإصلاحية. وقد وصف أحد المؤرخين مصلحاً مغربياً كبيراً في هذا العصر, هو أبو شعيب الدكالي(6) بأنه: (شيخ الإسلام وحافظ المغرب ومحدثه)(7).

      إننا لأول مرة بدأنا نلاحظ انتشار أفكار المصلحين الكبار, في المجتمع المغربي, وأقصد بصفة خاصة أفكار جمال الدين الأفغاني, ومحمد عبده, ورشيد رضا, فنتج عن ذلك إقبال الشعراء المغاربة على النظم في موضوعات تهم هذا الفكر الإصلاحي, وكثر الشعر الذي يدعو إلى نشر المعارف والعلوم, والدعوة إلى تحرير الفكر, وإنشاء المدارس والمعاهد العلمية. إن الشعر - في هذه المرحلة التاريخية - لم يعد مجرد ثقافة مكملة لشخصية العالم أو القاضي, بل أصبح ذا موضوع مستقل نسبياً, هو موضوع الفكر السلفي.

      فالتغير الذي طرأ على مفهوم الشعر, لم يمس عناصر الفن, ولكنه يمس فقط مجال موضوعه, فقد تخلص من الخلط بينه وبين علوم الفقه واللغة والبلاغة, وكذلك من اعتباره مجرد آلة لفهم هذه العلوم, ومن اعتباره ثقافة متممة لثقافة الفقيه أو الكاتب أو القاضي, ولكننا ما زلنا نلاحظ أن الشعر, لم يقترب بعد من عناصر الفن.

      وهنا يمكن الوقوف على بعض النماذج الشعرية التي تنتمي إلى هذه الفترة التي شهدت ازدهاراً لهذا النوع من الشعر, يقول عبدالله القباج, في بعض أبيات من قصيدة له(8) :

ليس التمدن ما يلهيك عن عمل _________________________

يرقي البلاد ويعلي الفكر والنظرا _________________________

ليس التمدن بالتزويق مسخرة _________________________

إن التمدن ما أولاك مفتخرا _________________________

ليس التمدن في عيب الذين مضوا _________________________

بل التمدن في إجلال من غبرا _________________________

ليس التمدن ما تهواه من بدع _________________________

وما له شرعنا والله قد حضرا _________________________

      ويقول محمد الجزولي صاحب ديوان: ذكريات من ربيع الحياة(9):

وإن الدين عند الله قول _________________________

وفعل لا كَرَقْص الراقصينا _________________________

ولا نهش اللحوم ولا بشذح _________________________

الرؤوس ولا بشرب الماسخينا _________________________

وإن الذكر ليس بقرع طبل _________________________

ومزمار علا ذقناً لمينا _________________________

وإن الدين من هذا براء _________________________

وإن الله يخزي المدعينا _________________________

      فأغلب الموضوعات التي تناولها هؤلاء الشعراء, كان لها ارتباط بالفكر الإصلاحي السائد, فهي إن حملت جديداً في الموضوعات الشعرية فإن مفهوم الشعر ظل بعيداً عن جوهر عناصر الفن.