(18)

      لقد ساهم جيل الستينات, رغم تمايزهم, في إرساء مناخ شعري جديد, ونظرة مختلفة إلى الشعر طبيعة ووظيفة ومفهوماً. ولايمكن الاقتراب من صورة منصفة لهذا الجيل دون الوقوف على إنجازات الشعراء المؤثرين منهم.

      إن شاعراً كصادق الصائغ لايمكن إلا التنويه بتجربته الصادمة ولغته الشرسة المتفجرة بالرؤى العميقة التي كانت تخضّ القصيدة وتستفز حيويتها بعنف. وكذلك الأمر بالنسبة لجليل حيدر; فهو شاعر يمتلك روحاً حادة ولغة نافرة الأمر الذي منح قصائده تلك النكهة الملتهبة. ويظل لصلاح فائق احتفاؤه بقصيدة الصورة, واللقطة المثقلة بعزلة الروح وترقّبها الحذر. شاعر ينتزع من صخرة النثر أزهاراً مترفة وحنيناً لايهدأ. كما أن عبدالرحمن طهمازي يجسد نموذجاً للشاعر الحديث وهو يُلهب القصيدة بنار وعيه وثراء روحه معاً. إن القصيدة لدى طهمازي, رغم مظهرها الخالي من الترف اللفظي, وليدة وعي عال وعناء روحي عميق. إنها قصيدة الوعي والشجن الحكيم يتدفقان دونما تهور. أما خالد علي مصطفى فهو من الشعراء النادرين في حدة ثقافتهم: إن القصيدة, لديه, مثقلة, بلغة مجازية ضارية, ورؤى متشابكة, حتى إنها تكاد تنحني تحت ثمار روحه: لغةً مكثفة, وولعاً بالصور لايهدأ, ودلالات لاتكاد تُفصح عن ذاتها لشدة كثافتها وتعقيدها.

(19)

      ومن الإنصاف القول إن المشهد الشعري العراقي لا يتشكل كله من شعراء التفعيلة وحدهم, أو شعراء قصيدة النثر فقط, فللقصيدة الكلاسيكية إنجازاتها أيضاً, لقد أسهمت, وتسهم باستمرار, في التعبير عن فورة الحياة وتصدّعاتها في المجتمع العراقي, ورافقت, وما تزال, اكثر تحولات هذا المجتمع شراسة وإرباكاً.

      من جهة أخرى, فإن المتتبع لإنجازات شعراء القصيدة الكلاسيكية يجد, وباستثناءات قليلة, أن نبرة الاحتفاء بالحياة, على وعورتها, أعلى من نبرة الاحتجاج عليها, أو القلق منها, ويتجلى ذلك في معظم ما يكتبه شعراء القصيدة العمودية مثل عبدالرزاق عبدالواحد, محمد حسين آل ياسين, نعمان ماهر الكنعاني, علي الياسري, لؤي حقي, رعد بندر, محمد جميل شلش.

(20)

      لقد شهد الربع الأخير من القرن العشرين موجة شعرية متصلة الحلقات, ومع أن من الصعب وضع حدود باترة بين حلقة وأخرى فإن الحيوية التي رافقت الكثير من شعراء هذه الحقبة ما تزال واضحة. إن شعراء كثيرين لمعت أسماؤهم بعد أن رفعت الموجة الستينية أذيالها, وما يزال الكثير من بلل تلك الموجة عالقاً بقصائد البعض من هؤلاء الشعراء, بينما يحاول بعض المتميزين منهم أن يحملوا تلك الانتباهة الشعرية, التي أطلق شرارتها جيل الستينات إلى مديات أرقى.

      ومهما كانت التمايزات بين هذه الأجيال الشعرية فإنها تشكل حيوية نهر الشعر في العراق, إنها تموجات متتالية تنبثق من بعضها البعض لتمهد الطريق لاندفاع النهر وجيشانه الحميم: زاهر الجيزاني, هادي ياسين علي, عدنان الصائغ, خزعل الماجدي, فاروق يوسف, كمال سبتي, كاظم جهاد, علي الطائي, فاروق سلوم, كاظم حجاج, أمجد محمد سعيد, جواد الحطاب, معد الجبوري, رعد عبدالقادر, كزار حنتوش, علي الشلاه, عيسى الياسري, عبدالكريم راضي جعفر, سلام كاظم, عبدالرزاق الربيعي, محمد مظلوم, عقيل علي, صلاح حسن, منعم الفقير, طالب عبدالعزيز, ريم قيس كبه, فضل خلف, وآخرون.

      إنهم, على تفاوت نبرتهم وتباين أساليبهم, يمثلون تطوراً عضوياً في حركة القصيدة الحديثة في العراق.